منصة مصرف لبنان: ما هو سعر الدولار في الأسابيع والشهور المُقبلة؟

كتبت صحيفة ” الديار ” تقول : أسفر الاجتماع الذي حصل في التاسع عشر من الشهر الجاري بين رئيس الجمهورية العماد ميشال ‏عون وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، عن إعلان قرار إطلاق العمل بمنصة تداول بالدولار ‏الأميركي مقابل الليرة اللبنانية، عائدة لمصرف لبنان. هذه المنصّة، من المفترض أنها جزء من ‏الإجراءات التي كان قد أعلن عنها حاكم مصرف لبنان خلال لقائه رئيس الحكومة المُكلّف سعد ‏الحريري ووزير المال غازي وزني الأسبوع الماضي‎.‎

وبحسب البيان الذي تلاه المُستشار الإعلامي لرئاسة الجمهورية، أعلم حاكم مصرف لبنان رئيس ‏الجمهورية قرار المصرف المركزي “إطلاق العمل بالمنصة الالكترونية العائدة له بحيث يتم تسجيل كل ‏العمليات وتصبح هي المرجع الاساسي للسعر الحقيقي للسوق” مع “السماح للمصارف ابتداءً من ‏الاسبوع المقبل، بالتداول في العملات مثل الصرّافين الشرعيين وتسجيل العمليات بالسعر الحقيقي على ‏المنصة، على أن تتابع لجنة الرقابة على المصارف حسن سير العمل. وسوف يتدخل مصرف لبنان ‏لامتصاص السيولة كلما دعت الحاجة حتى يتم ضبط سعر الصرف وفقاً للآليات المعروفة”. وأضاف ‏البيان أن رئيس الجمهورية أبلغ حاكم مصرف لبنان “ضرورة التشدد للجم المضاربات وتنظيف القطاع ‏المصرفي والتصميم على استعادة الثقة حتى يعود لبنان قاعدة مصرفية في المنطقة”.‏
لكن هل ستنجح هذه المنصّة في خفض سعر صرف الدولار مُقابل الليرة اللبنانية؟
‏
عوامل النجاح
مُشكلة التطبيقات التي كانت تُعطي الأسعار فيما يُسمّى السوق السوداء، هي عدم وجود شفافية في تحديد ‏سعر السوق. والمعروف في الأسواق المالية أن تحديد سعر صرف السوق يتبع آلية مُحددّة تنصّ على ‏تحديد العرض (الكميّة والسعر) والطلب (الكميّة والسعر) وهو ما يُسمّى بالـ ‏order book‏ على أن ‏يُصار إلى مُقارنة العرض والطلب واستخراج السعر الذي يُعظّم الكمّية المُتداولة (‏Price that ‎maximizes the exchanged quantity‏).‏

التطبيقات الموجودة على الأجهزة الخليوية والمواقع الإلكترونية، لا تُظهر الـ ‏order book، مما يعني ‏أن السعر قد يكون عشوائيًا أو مُتلاعبًا به. من هنا تأتي المِنصّة التي سيُطبقها مصرف لبنان لتُعطي سعر ‏السوق شرعية أكثر من خلال عنصر الشفافية الذي يُمكن الحصول عليه من خلال عرض الـ ‏order ‎book‏.‏

بحسب المعلومات، تهدف هذه المُنصّة إلى سحب الطلب المؤسساتي من السوق السوداء إلى سوق شبه ‏رسمية. وبالتالي، فإن هذه المنصّة ستخدم بالدرجة الأولى، وبشكل حصري في المرحلة الأولى، النشاط ‏الاقتصادي أي التجار والصناعيين والمزارعين. وسيكون اللاعبون على هذه المنصّة هم الصرافون ‏الشرعيون، والمصارف التجارية، ومصرف لبنان الذي سيتدخّل لامتصاص السيولة (بحسب بيان ‏الرئاسة). أمّا في ما يخصّ المواطنين، فمن الواضح أن لا قدرة لهذه السوق على تلبية مطالبهم نظرًا إلى ‏حجم هذه الطلبات نسبة إلى حجم السوق السوداء المُقدّرة ببضعة ملايين من الدولارات يوميًا.‏

والسؤال الذي يُطرح على هذا الصعيد : من أين سيتمّ تأمين الدولارات لهذه المنصّة؟ في الواقع، يُمكنّ ‏تخيّل العملية كعملية نقل للسوق السوداء إلى المنصّة الرسمية، وبالتالي فإن مصدر الدولارات سيبقى ‏كالسابق، مع فارق واحد وهو وجود لاعبين إضافيين هما مصرف لبنان والمصارف التجارية. وبحسب ‏المعلومات، فإن العمليات سيتمّ تسجيلها ومراقبتها من قبل لجنة الرقابة على المصارف لمعرفة ما إذا ‏كانت هذه العمليات هي لخدّمة النشاط الاقتصادي أو لا. بالطبع لا يُمكن للمصارف أن تقوم بعمليات شراء ‏للدولارات على هذه المنصّة (أو غيرها داخل لبنان) بهدف تعزيز وضعها من السيولة، بل ان وجودها في ‏هذه المرحلة هو لتأدية دور تأمين السيولة وتلبية طلبات الزبائن (من مهام لجنة الرقابة على المصارف ‏التأكد من ذلك).‏

هل لمصرف لبنان القدرة على تأمين النقص في الدولارات المطلوبة على هذه السوق؟ مصرف لبنان ‏يدعم التجّار على سعر الصرف الرسمي (1500 ليرة) وعلى سعر المنصّة الإلكترونية (3900 ليرة) ‏حيث تُقدّر نسبة هذا الدعم من إجمالي العمليات ما بين الـ 60 والـ 70%. هذا الدعم سيبقى في المبدأ ‏مؤمّنًا، على أن تكون المنصّة الجديدة هي المكان لتمويل الباقي من كلفة استيراد الدعم (15%) بسعر ‏المنصّة الجديدة. السوق السوداء التي تحوي هذه الـ 15%، حجمها لا يزيد عن بضعة ملايين من ‏الدولارات في النهار، أي أن مصرف لبنان قادر مع المصارف والصيارفة على تأمين هذه المبالغ.‏

لكن نجاح هذه العملية مرهون بعوامل غير نقدية:‏

أولا – مُحاربة السوق السوداء غير القانونية، وهو ما يتطلّب مواكبة من الأجهزة الرقابية والأمنية، ولكن ‏أيضًا من قبل القضاء؛

ثانيًا – مُحاربة التهريب بكل أشكاله لضمان كفاية السوق اللبناني وعدم السماح للتجّار بتهريب البضائع ‏والسلع المدعومة (وحتى غير المدعومة!) إلى خارج الحدود، كما هو الأمر حتى الآن حيث نرى المواد ‏الغذائية المدعومة في العديد من دول العالم (السويد، الكويت، غانا…) والمحروقات في سوريا.‏

وبالتالي ومن دون هذين العاملين، من المرجّح أن يستمر المهرّبون والتجار في عملياتهم التي يقومون بها ‏بشكل مفضوح تحت أعين الأجهزة الرقابية والأمنية من دون أن تتمّ مُحاسبتهم أو توقيفهم عن أعمالهم ‏الشنيعة هذه. يجب أن يكون لدى المسؤولين الشجاعة الكافية للاعتراف بوجود طلب خارجي لا يمكن ‏تحديده ولا ضبطه إلا بقرار سياسي واتفاق على مصلحة لبنان العليا! فهل يكون هذا الأمر مُستحيلا في ‏ظل الوضع القائم، فيؤدّي إلى فشل المنصة؟

الجدير ذكره أن كلفة استهلاك المواد الغذائية المُستوردة تبلغ ما بين 80 إلى 100 مليون دولار شهريًا في ‏حين أن حاجة السوق اللبناني تقدّر بـ 30 مليون دولار أميركي شهريًا، أي أن الفارق يذهب تهريبًا وقسماً ‏كبيراً منه مدعوم!‏
‏
تشكيل الحكومة وأموال المودعين
نجاح عمل المنصة في الشق المؤسساتي في المرحلة الأولى سيفتح الباب أمام المواطنين والمودعين ‏للحصول على دولارات ولو بقيمة بسيطة في المرحلة الثانية. هذا الأمر نابع من مبدأ أن الثقة قد تعود إلى ‏النظام المصرفي والمالي بالإجمال، خصوصًا إذا ما تمّ تشكيل حكومة قادرة على التفاوض مع صندوق ‏النقد الدولي وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة وإعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية – المالية.‏

السيناريو المثالي ينصّ على أن الشركات التي تُسعّر سلعها وبضائعها بالدولار، ستكون قادرة من خلال ‏المصارف أو الصرافين على الحصول على الدولارات عبر شرائها على المنصّة على سعر السوق. ‏وبالتالي لن يكون على المواطن تأمين دولارات طازجة كما تفرض بعض الشركات. أمّا على صعيد ‏المواطنين، فقد يكون من المُمكن للمصارف في حال تشكيل الحكومة والبدء بالإصلاحات، إعطاء ‏المودعين دولارات نقدية من حساباتهم القديمة (حتى ولو 1% من قيمة الوديعة بالدولار شهريًا)، إلا أن ‏هذه الصورة لن تتضحّ معالمها إلا بعد تشكيل الحكومة وطرح خطّتها للخروج من الأزمة. في الواقع، ‏إعطاء المودعين دولارات، ولو بنسبة قليلة، كفيل بإعادة الثقة إلى قطاع انهارت الثقة به مع بدء ‏الإحتجاجات الشعبية في السابع عشر من تشرين الأول من العام 2019.‏
‏
التجّار والتهريب والتهرّب الضريبي
لا يخفى على أحد، ولان نقول شيئاً جديداً بقولنا ان هناك تُجّاراً متواطئين مع عصابات تهريب عبر ‏إعطائهم السلع والبضائع المدعومة بهدف تهريبها إلى الخارج. المخازن المحشوة ببضائع مدعومة في ‏بعض السوبرماركات والرفوف الفارغة هي أكبر دليل على النيات السيئة التي يخفيها هؤلاء. وبالتالي فإن ‏استخدام المنصّة الجديدة، التي ستُسجّل العمليات بشكل علني، ستسمح للأجهزة الرقابية من وزارة ‏الاقتصاد والتجارة ووزارة المال والجمارك بملاحقة التجار المُخالفين، والأهمّ ملاحقة التهرّب الضريبي ‏الذي يقوم به هؤلاء عبر رفضهم القبول بوسائل الدفع بالشيكات أو البطاقات المصرفية واعتماد النقد ‏حصريًا. هذا الأمر يسمح لهم بتحقيق أرباح على ثلاثة أصعدة: فارق الدولار، التهريب، والتهرّب ‏الضريبي. من هذا المُنطلق سيكون لوزارة المال الوسائل اللازمة لملاحقة هؤلاء وإرغامهم على دفع ‏مُستحقات الدولة. والتقديرات لحجم الأرباح التي حقّقها هؤلاء في المرحلة الماضية، تُشير إلى نسبٍ هائلة ‏تتراوح بين الـ 200% والـ 500%! وقد يقول بعض التجّار ان مصرف لبنان يُلزمهم تأمين المبلغ نقدًا ‏بالليرة اللبنانية للحصول على الدولارات وهذا حقّ، إلا أن ما لا يقوله التجّار ان هناك أكثر من 40 ‏تريليون ليرة في السوق، وهذه الأموال ليست كلها مع المواطنين!!‏
لذا، إذا فشلت عملية ضبط التهريب، فإن هذه المنصّة ستكون أداة لتمويل التجّار لتصدير البضائع والسلع ‏إلى الخارج، وهو ما سيؤدّي إلى تداعيات كارثية على الصعيدين النقدي والسياسي.‏
‏
سعر الدولار في المرحلة المُقبلة
هل يُمكن التنبؤ بسعر صرف الدولار في المرحلة المُقبلة؟ الجواب كلا. لكن وبتحليل للواقع يُمكن القول ‏إن نجاح عمل المنصّة التي سيطلقها مصرف لبنان، سيجعل الدولار ينخفض حكمًا على المدى القصير. ‏وإذا ما تشكّلت حكومة قادرة على القيام بإصلاحات إقتصادية ومالية، فإن الدولار سيعود أدراجه إلى ‏مستويات مقبولة للمواطن اللبناني.‏

أمّا فشل المنصة، فيعني أننا فقدنا السيطرة على سعر صرف الدولار الأميركي مُقابل الليرة اللبنانية! من ‏هنا ضرورة مواكبة الأجهزة الرقابية والأمنية والقضاء لإطلاق هذه المنصة، على أن تكون هناك خلية ‏أمنية – مالية للتنسيق بين مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف من جهة وبين الأجهزة الأمنية ‏والقضاء من جهة أخرى.‏
وقف التهريب أصبح أمرًا كيانيًا ووجوديًا للشعب اللبناني، كذلك الأمر بالنسبة لمصارحة المودعين من قبل ‏المصارف وعدم تجاهل مطالبهم المُتكرّرة! فالودائع خصوصًا بالدولار الأميركي هي حقّ للمودعين، ‏ويتوجّب على المصارف وضع خارطة طريق لإعادة الأموال لأصحابها، على أن تعرض هذه الخارطة ‏على الرأي العام وتلتزم بها.‏

الانتقادات الموجّهة للمنصّة
في جوّلة سريعة على الآراء المُتداولة، نرى أن المصارف ليست مُتحمّسة للمنصة، نظرًا إلى الدور ‏المنوط بها، والذي سيتمّ وضع معالمه في تعميم يُصدره مصرف لبنان. لكن أيضًا يدخل ضمن الفئات غير ‏المُتحمّسة، الصرافون والتُجّار والمُهربون الذين ستخفّ أرباحهم، نظرًا لعملية تنظيم ومراقبة السوق.‏
أيضًا المُعارضون لسياسات المصرف المركزي، يقولون إن إطلاق المنصّة ليس بحلّ، بل يجب أن يكون ‏هناك حلّ جذري للأزمة من خلال حلّ مُشكلة الدولارات العالقة في المصارف والتابعة للمودعين، ‏ويعزون هذا الطرح إلى اقتراح فرنسي تمّ طرحه على حاكم المركزي خلال زيارته الأخيرة.‏
بغض النظر عن الطريقة التي سيتمّ حل الأزمة بها، ما يهمّ المواطن هو استعادة ودائعه ولكن أيضًا عودة ‏الدولار إلى مستويات مقبولة (بالتأكيد ليس 10000 ليرة!) تسمح له بالعيش بكرامة، خصوصًا أن بقاء ‏الوضع على ما هو عليه، حتى لو استعاد المودع ودائعه، سيؤدّي إلى خسارة هذه الودائع عبر دفعها ثمن ‏السلع والبضائع!‏

كتبت صحيفة ” الديار ” تقول : أسفر الاجتماع الذي حصل في التاسع عشر من الشهر الجاري بين رئيس الجمهورية العماد ميشال ‏عون وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، عن إعلان قرار إطلاق العمل بمنصة تداول بالدولار ‏الأميركي مقابل الليرة اللبنانية، عائدة لمصرف لبنان. هذه المنصّة، من المفترض أنها جزء من ‏الإجراءات التي كان قد أعلن عنها حاكم مصرف لبنان خلال لقائه رئيس الحكومة المُكلّف سعد ‏الحريري ووزير المال غازي وزني الأسبوع الماضي‎.‎

وبحسب البيان الذي تلاه المُستشار الإعلامي لرئاسة الجمهورية، أعلم حاكم مصرف لبنان رئيس ‏الجمهورية قرار المصرف المركزي “إطلاق العمل بالمنصة الالكترونية العائدة له بحيث يتم تسجيل كل ‏العمليات وتصبح هي المرجع الاساسي للسعر الحقيقي للسوق” مع “السماح للمصارف ابتداءً من ‏الاسبوع المقبل، بالتداول في العملات مثل الصرّافين الشرعيين وتسجيل العمليات بالسعر الحقيقي على ‏المنصة، على أن تتابع لجنة الرقابة على المصارف حسن سير العمل. وسوف يتدخل مصرف لبنان ‏لامتصاص السيولة كلما دعت الحاجة حتى يتم ضبط سعر الصرف وفقاً للآليات المعروفة”. وأضاف ‏البيان أن رئيس الجمهورية أبلغ حاكم مصرف لبنان “ضرورة التشدد للجم المضاربات وتنظيف القطاع ‏المصرفي والتصميم على استعادة الثقة حتى يعود لبنان قاعدة مصرفية في المنطقة”.‏
لكن هل ستنجح هذه المنصّة في خفض سعر صرف الدولار مُقابل الليرة اللبنانية؟
‏
عوامل النجاح
مُشكلة التطبيقات التي كانت تُعطي الأسعار فيما يُسمّى السوق السوداء، هي عدم وجود شفافية في تحديد ‏سعر السوق. والمعروف في الأسواق المالية أن تحديد سعر صرف السوق يتبع آلية مُحددّة تنصّ على ‏تحديد العرض (الكميّة والسعر) والطلب (الكميّة والسعر) وهو ما يُسمّى بالـ ‏order book‏ على أن ‏يُصار إلى مُقارنة العرض والطلب واستخراج السعر الذي يُعظّم الكمّية المُتداولة (‏Price that ‎maximizes the exchanged quantity‏).‏

التطبيقات الموجودة على الأجهزة الخليوية والمواقع الإلكترونية، لا تُظهر الـ ‏order book، مما يعني ‏أن السعر قد يكون عشوائيًا أو مُتلاعبًا به. من هنا تأتي المِنصّة التي سيُطبقها مصرف لبنان لتُعطي سعر ‏السوق شرعية أكثر من خلال عنصر الشفافية الذي يُمكن الحصول عليه من خلال عرض الـ ‏order ‎book‏.‏

بحسب المعلومات، تهدف هذه المُنصّة إلى سحب الطلب المؤسساتي من السوق السوداء إلى سوق شبه ‏رسمية. وبالتالي، فإن هذه المنصّة ستخدم بالدرجة الأولى، وبشكل حصري في المرحلة الأولى، النشاط ‏الاقتصادي أي التجار والصناعيين والمزارعين. وسيكون اللاعبون على هذه المنصّة هم الصرافون ‏الشرعيون، والمصارف التجارية، ومصرف لبنان الذي سيتدخّل لامتصاص السيولة (بحسب بيان ‏الرئاسة). أمّا في ما يخصّ المواطنين، فمن الواضح أن لا قدرة لهذه السوق على تلبية مطالبهم نظرًا إلى ‏حجم هذه الطلبات نسبة إلى حجم السوق السوداء المُقدّرة ببضعة ملايين من الدولارات يوميًا.‏

والسؤال الذي يُطرح على هذا الصعيد : من أين سيتمّ تأمين الدولارات لهذه المنصّة؟ في الواقع، يُمكنّ ‏تخيّل العملية كعملية نقل للسوق السوداء إلى المنصّة الرسمية، وبالتالي فإن مصدر الدولارات سيبقى ‏كالسابق، مع فارق واحد وهو وجود لاعبين إضافيين هما مصرف لبنان والمصارف التجارية. وبحسب ‏المعلومات، فإن العمليات سيتمّ تسجيلها ومراقبتها من قبل لجنة الرقابة على المصارف لمعرفة ما إذا ‏كانت هذه العمليات هي لخدّمة النشاط الاقتصادي أو لا. بالطبع لا يُمكن للمصارف أن تقوم بعمليات شراء ‏للدولارات على هذه المنصّة (أو غيرها داخل لبنان) بهدف تعزيز وضعها من السيولة، بل ان وجودها في ‏هذه المرحلة هو لتأدية دور تأمين السيولة وتلبية طلبات الزبائن (من مهام لجنة الرقابة على المصارف ‏التأكد من ذلك).‏

هل لمصرف لبنان القدرة على تأمين النقص في الدولارات المطلوبة على هذه السوق؟ مصرف لبنان ‏يدعم التجّار على سعر الصرف الرسمي (1500 ليرة) وعلى سعر المنصّة الإلكترونية (3900 ليرة) ‏حيث تُقدّر نسبة هذا الدعم من إجمالي العمليات ما بين الـ 60 والـ 70%. هذا الدعم سيبقى في المبدأ ‏مؤمّنًا، على أن تكون المنصّة الجديدة هي المكان لتمويل الباقي من كلفة استيراد الدعم (15%) بسعر ‏المنصّة الجديدة. السوق السوداء التي تحوي هذه الـ 15%، حجمها لا يزيد عن بضعة ملايين من ‏الدولارات في النهار، أي أن مصرف لبنان قادر مع المصارف والصيارفة على تأمين هذه المبالغ.‏

لكن نجاح هذه العملية مرهون بعوامل غير نقدية:‏

أولا – مُحاربة السوق السوداء غير القانونية، وهو ما يتطلّب مواكبة من الأجهزة الرقابية والأمنية، ولكن ‏أيضًا من قبل القضاء؛

ثانيًا – مُحاربة التهريب بكل أشكاله لضمان كفاية السوق اللبناني وعدم السماح للتجّار بتهريب البضائع ‏والسلع المدعومة (وحتى غير المدعومة!) إلى خارج الحدود، كما هو الأمر حتى الآن حيث نرى المواد ‏الغذائية المدعومة في العديد من دول العالم (السويد، الكويت، غانا…) والمحروقات في سوريا.‏

وبالتالي ومن دون هذين العاملين، من المرجّح أن يستمر المهرّبون والتجار في عملياتهم التي يقومون بها ‏بشكل مفضوح تحت أعين الأجهزة الرقابية والأمنية من دون أن تتمّ مُحاسبتهم أو توقيفهم عن أعمالهم ‏الشنيعة هذه. يجب أن يكون لدى المسؤولين الشجاعة الكافية للاعتراف بوجود طلب خارجي لا يمكن ‏تحديده ولا ضبطه إلا بقرار سياسي واتفاق على مصلحة لبنان العليا! فهل يكون هذا الأمر مُستحيلا في ‏ظل الوضع القائم، فيؤدّي إلى فشل المنصة؟

الجدير ذكره أن كلفة استهلاك المواد الغذائية المُستوردة تبلغ ما بين 80 إلى 100 مليون دولار شهريًا في ‏حين أن حاجة السوق اللبناني تقدّر بـ 30 مليون دولار أميركي شهريًا، أي أن الفارق يذهب تهريبًا وقسماً ‏كبيراً منه مدعوم!‏
‏
تشكيل الحكومة وأموال المودعين
نجاح عمل المنصة في الشق المؤسساتي في المرحلة الأولى سيفتح الباب أمام المواطنين والمودعين ‏للحصول على دولارات ولو بقيمة بسيطة في المرحلة الثانية. هذا الأمر نابع من مبدأ أن الثقة قد تعود إلى ‏النظام المصرفي والمالي بالإجمال، خصوصًا إذا ما تمّ تشكيل حكومة قادرة على التفاوض مع صندوق ‏النقد الدولي وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة وإعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية – المالية.‏

السيناريو المثالي ينصّ على أن الشركات التي تُسعّر سلعها وبضائعها بالدولار، ستكون قادرة من خلال ‏المصارف أو الصرافين على الحصول على الدولارات عبر شرائها على المنصّة على سعر السوق. ‏وبالتالي لن يكون على المواطن تأمين دولارات طازجة كما تفرض بعض الشركات. أمّا على صعيد ‏المواطنين، فقد يكون من المُمكن للمصارف في حال تشكيل الحكومة والبدء بالإصلاحات، إعطاء ‏المودعين دولارات نقدية من حساباتهم القديمة (حتى ولو 1% من قيمة الوديعة بالدولار شهريًا)، إلا أن ‏هذه الصورة لن تتضحّ معالمها إلا بعد تشكيل الحكومة وطرح خطّتها للخروج من الأزمة. في الواقع، ‏إعطاء المودعين دولارات، ولو بنسبة قليلة، كفيل بإعادة الثقة إلى قطاع انهارت الثقة به مع بدء ‏الإحتجاجات الشعبية في السابع عشر من تشرين الأول من العام 2019.‏
‏
التجّار والتهريب والتهرّب الضريبي
لا يخفى على أحد، ولان نقول شيئاً جديداً بقولنا ان هناك تُجّاراً متواطئين مع عصابات تهريب عبر ‏إعطائهم السلع والبضائع المدعومة بهدف تهريبها إلى الخارج. المخازن المحشوة ببضائع مدعومة في ‏بعض السوبرماركات والرفوف الفارغة هي أكبر دليل على النيات السيئة التي يخفيها هؤلاء. وبالتالي فإن ‏استخدام المنصّة الجديدة، التي ستُسجّل العمليات بشكل علني، ستسمح للأجهزة الرقابية من وزارة ‏الاقتصاد والتجارة ووزارة المال والجمارك بملاحقة التجار المُخالفين، والأهمّ ملاحقة التهرّب الضريبي ‏الذي يقوم به هؤلاء عبر رفضهم القبول بوسائل الدفع بالشيكات أو البطاقات المصرفية واعتماد النقد ‏حصريًا. هذا الأمر يسمح لهم بتحقيق أرباح على ثلاثة أصعدة: فارق الدولار، التهريب، والتهرّب ‏الضريبي. من هذا المُنطلق سيكون لوزارة المال الوسائل اللازمة لملاحقة هؤلاء وإرغامهم على دفع ‏مُستحقات الدولة. والتقديرات لحجم الأرباح التي حقّقها هؤلاء في المرحلة الماضية، تُشير إلى نسبٍ هائلة ‏تتراوح بين الـ 200% والـ 500%! وقد يقول بعض التجّار ان مصرف لبنان يُلزمهم تأمين المبلغ نقدًا ‏بالليرة اللبنانية للحصول على الدولارات وهذا حقّ، إلا أن ما لا يقوله التجّار ان هناك أكثر من 40 ‏تريليون ليرة في السوق، وهذه الأموال ليست كلها مع المواطنين!!‏
لذا، إذا فشلت عملية ضبط التهريب، فإن هذه المنصّة ستكون أداة لتمويل التجّار لتصدير البضائع والسلع ‏إلى الخارج، وهو ما سيؤدّي إلى تداعيات كارثية على الصعيدين النقدي والسياسي.‏
‏
سعر الدولار في المرحلة المُقبلة
هل يُمكن التنبؤ بسعر صرف الدولار في المرحلة المُقبلة؟ الجواب كلا. لكن وبتحليل للواقع يُمكن القول ‏إن نجاح عمل المنصّة التي سيطلقها مصرف لبنان، سيجعل الدولار ينخفض حكمًا على المدى القصير. ‏وإذا ما تشكّلت حكومة قادرة على القيام بإصلاحات إقتصادية ومالية، فإن الدولار سيعود أدراجه إلى ‏مستويات مقبولة للمواطن اللبناني.‏

أمّا فشل المنصة، فيعني أننا فقدنا السيطرة على سعر صرف الدولار الأميركي مُقابل الليرة اللبنانية! من ‏هنا ضرورة مواكبة الأجهزة الرقابية والأمنية والقضاء لإطلاق هذه المنصة، على أن تكون هناك خلية ‏أمنية – مالية للتنسيق بين مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف من جهة وبين الأجهزة الأمنية ‏والقضاء من جهة أخرى.‏
وقف التهريب أصبح أمرًا كيانيًا ووجوديًا للشعب اللبناني، كذلك الأمر بالنسبة لمصارحة المودعين من قبل ‏المصارف وعدم تجاهل مطالبهم المُتكرّرة! فالودائع خصوصًا بالدولار الأميركي هي حقّ للمودعين، ‏ويتوجّب على المصارف وضع خارطة طريق لإعادة الأموال لأصحابها، على أن تعرض هذه الخارطة ‏على الرأي العام وتلتزم بها.‏

الانتقادات الموجّهة للمنصّة
في جوّلة سريعة على الآراء المُتداولة، نرى أن المصارف ليست مُتحمّسة للمنصة، نظرًا إلى الدور ‏المنوط بها، والذي سيتمّ وضع معالمه في تعميم يُصدره مصرف لبنان. لكن أيضًا يدخل ضمن الفئات غير ‏المُتحمّسة، الصرافون والتُجّار والمُهربون الذين ستخفّ أرباحهم، نظرًا لعملية تنظيم ومراقبة السوق.‏
أيضًا المُعارضون لسياسات المصرف المركزي، يقولون إن إطلاق المنصّة ليس بحلّ، بل يجب أن يكون ‏هناك حلّ جذري للأزمة من خلال حلّ مُشكلة الدولارات العالقة في المصارف والتابعة للمودعين، ‏ويعزون هذا الطرح إلى اقتراح فرنسي تمّ طرحه على حاكم المركزي خلال زيارته الأخيرة.‏
بغض النظر عن الطريقة التي سيتمّ حل الأزمة بها، ما يهمّ المواطن هو استعادة ودائعه ولكن أيضًا عودة ‏الدولار إلى مستويات مقبولة (بالتأكيد ليس 10000 ليرة!) تسمح له بالعيش بكرامة، خصوصًا أن بقاء ‏الوضع على ما هو عليه، حتى لو استعاد المودع ودائعه، سيؤدّي إلى خسارة هذه الودائع عبر دفعها ثمن ‏السلع والبضائع!‏

كتبت صحيفة ” الديار ” تقول : أسفر الاجتماع الذي حصل في التاسع عشر من الشهر الجاري بين رئيس الجمهورية العماد ميشال ‏عون وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، عن إعلان قرار إطلاق العمل بمنصة تداول بالدولار ‏الأميركي مقابل الليرة اللبنانية، عائدة لمصرف لبنان. هذه المنصّة، من المفترض أنها جزء من ‏الإجراءات التي كان قد أعلن عنها حاكم مصرف لبنان خلال لقائه رئيس الحكومة المُكلّف سعد ‏الحريري ووزير المال غازي وزني الأسبوع الماضي‎.‎

وبحسب البيان الذي تلاه المُستشار الإعلامي لرئاسة الجمهورية، أعلم حاكم مصرف لبنان رئيس ‏الجمهورية قرار المصرف المركزي “إطلاق العمل بالمنصة الالكترونية العائدة له بحيث يتم تسجيل كل ‏العمليات وتصبح هي المرجع الاساسي للسعر الحقيقي للسوق” مع “السماح للمصارف ابتداءً من ‏الاسبوع المقبل، بالتداول في العملات مثل الصرّافين الشرعيين وتسجيل العمليات بالسعر الحقيقي على ‏المنصة، على أن تتابع لجنة الرقابة على المصارف حسن سير العمل. وسوف يتدخل مصرف لبنان ‏لامتصاص السيولة كلما دعت الحاجة حتى يتم ضبط سعر الصرف وفقاً للآليات المعروفة”. وأضاف ‏البيان أن رئيس الجمهورية أبلغ حاكم مصرف لبنان “ضرورة التشدد للجم المضاربات وتنظيف القطاع ‏المصرفي والتصميم على استعادة الثقة حتى يعود لبنان قاعدة مصرفية في المنطقة”.‏
لكن هل ستنجح هذه المنصّة في خفض سعر صرف الدولار مُقابل الليرة اللبنانية؟
‏
عوامل النجاح
مُشكلة التطبيقات التي كانت تُعطي الأسعار فيما يُسمّى السوق السوداء، هي عدم وجود شفافية في تحديد ‏سعر السوق. والمعروف في الأسواق المالية أن تحديد سعر صرف السوق يتبع آلية مُحددّة تنصّ على ‏تحديد العرض (الكميّة والسعر) والطلب (الكميّة والسعر) وهو ما يُسمّى بالـ ‏order book‏ على أن ‏يُصار إلى مُقارنة العرض والطلب واستخراج السعر الذي يُعظّم الكمّية المُتداولة (‏Price that ‎maximizes the exchanged quantity‏).‏

التطبيقات الموجودة على الأجهزة الخليوية والمواقع الإلكترونية، لا تُظهر الـ ‏order book، مما يعني ‏أن السعر قد يكون عشوائيًا أو مُتلاعبًا به. من هنا تأتي المِنصّة التي سيُطبقها مصرف لبنان لتُعطي سعر ‏السوق شرعية أكثر من خلال عنصر الشفافية الذي يُمكن الحصول عليه من خلال عرض الـ ‏order ‎book‏.‏

بحسب المعلومات، تهدف هذه المُنصّة إلى سحب الطلب المؤسساتي من السوق السوداء إلى سوق شبه ‏رسمية. وبالتالي، فإن هذه المنصّة ستخدم بالدرجة الأولى، وبشكل حصري في المرحلة الأولى، النشاط ‏الاقتصادي أي التجار والصناعيين والمزارعين. وسيكون اللاعبون على هذه المنصّة هم الصرافون ‏الشرعيون، والمصارف التجارية، ومصرف لبنان الذي سيتدخّل لامتصاص السيولة (بحسب بيان ‏الرئاسة). أمّا في ما يخصّ المواطنين، فمن الواضح أن لا قدرة لهذه السوق على تلبية مطالبهم نظرًا إلى ‏حجم هذه الطلبات نسبة إلى حجم السوق السوداء المُقدّرة ببضعة ملايين من الدولارات يوميًا.‏

والسؤال الذي يُطرح على هذا الصعيد : من أين سيتمّ تأمين الدولارات لهذه المنصّة؟ في الواقع، يُمكنّ ‏تخيّل العملية كعملية نقل للسوق السوداء إلى المنصّة الرسمية، وبالتالي فإن مصدر الدولارات سيبقى ‏كالسابق، مع فارق واحد وهو وجود لاعبين إضافيين هما مصرف لبنان والمصارف التجارية. وبحسب ‏المعلومات، فإن العمليات سيتمّ تسجيلها ومراقبتها من قبل لجنة الرقابة على المصارف لمعرفة ما إذا ‏كانت هذه العمليات هي لخدّمة النشاط الاقتصادي أو لا. بالطبع لا يُمكن للمصارف أن تقوم بعمليات شراء ‏للدولارات على هذه المنصّة (أو غيرها داخل لبنان) بهدف تعزيز وضعها من السيولة، بل ان وجودها في ‏هذه المرحلة هو لتأدية دور تأمين السيولة وتلبية طلبات الزبائن (من مهام لجنة الرقابة على المصارف ‏التأكد من ذلك).‏

هل لمصرف لبنان القدرة على تأمين النقص في الدولارات المطلوبة على هذه السوق؟ مصرف لبنان ‏يدعم التجّار على سعر الصرف الرسمي (1500 ليرة) وعلى سعر المنصّة الإلكترونية (3900 ليرة) ‏حيث تُقدّر نسبة هذا الدعم من إجمالي العمليات ما بين الـ 60 والـ 70%. هذا الدعم سيبقى في المبدأ ‏مؤمّنًا، على أن تكون المنصّة الجديدة هي المكان لتمويل الباقي من كلفة استيراد الدعم (15%) بسعر ‏المنصّة الجديدة. السوق السوداء التي تحوي هذه الـ 15%، حجمها لا يزيد عن بضعة ملايين من ‏الدولارات في النهار، أي أن مصرف لبنان قادر مع المصارف والصيارفة على تأمين هذه المبالغ.‏

لكن نجاح هذه العملية مرهون بعوامل غير نقدية:‏

أولا – مُحاربة السوق السوداء غير القانونية، وهو ما يتطلّب مواكبة من الأجهزة الرقابية والأمنية، ولكن ‏أيضًا من قبل القضاء؛

ثانيًا – مُحاربة التهريب بكل أشكاله لضمان كفاية السوق اللبناني وعدم السماح للتجّار بتهريب البضائع ‏والسلع المدعومة (وحتى غير المدعومة!) إلى خارج الحدود، كما هو الأمر حتى الآن حيث نرى المواد ‏الغذائية المدعومة في العديد من دول العالم (السويد، الكويت، غانا…) والمحروقات في سوريا.‏

وبالتالي ومن دون هذين العاملين، من المرجّح أن يستمر المهرّبون والتجار في عملياتهم التي يقومون بها ‏بشكل مفضوح تحت أعين الأجهزة الرقابية والأمنية من دون أن تتمّ مُحاسبتهم أو توقيفهم عن أعمالهم ‏الشنيعة هذه. يجب أن يكون لدى المسؤولين الشجاعة الكافية للاعتراف بوجود طلب خارجي لا يمكن ‏تحديده ولا ضبطه إلا بقرار سياسي واتفاق على مصلحة لبنان العليا! فهل يكون هذا الأمر مُستحيلا في ‏ظل الوضع القائم، فيؤدّي إلى فشل المنصة؟

الجدير ذكره أن كلفة استهلاك المواد الغذائية المُستوردة تبلغ ما بين 80 إلى 100 مليون دولار شهريًا في ‏حين أن حاجة السوق اللبناني تقدّر بـ 30 مليون دولار أميركي شهريًا، أي أن الفارق يذهب تهريبًا وقسماً ‏كبيراً منه مدعوم!‏
‏
تشكيل الحكومة وأموال المودعين
نجاح عمل المنصة في الشق المؤسساتي في المرحلة الأولى سيفتح الباب أمام المواطنين والمودعين ‏للحصول على دولارات ولو بقيمة بسيطة في المرحلة الثانية. هذا الأمر نابع من مبدأ أن الثقة قد تعود إلى ‏النظام المصرفي والمالي بالإجمال، خصوصًا إذا ما تمّ تشكيل حكومة قادرة على التفاوض مع صندوق ‏النقد الدولي وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة وإعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية – المالية.‏

السيناريو المثالي ينصّ على أن الشركات التي تُسعّر سلعها وبضائعها بالدولار، ستكون قادرة من خلال ‏المصارف أو الصرافين على الحصول على الدولارات عبر شرائها على المنصّة على سعر السوق. ‏وبالتالي لن يكون على المواطن تأمين دولارات طازجة كما تفرض بعض الشركات. أمّا على صعيد ‏المواطنين، فقد يكون من المُمكن للمصارف في حال تشكيل الحكومة والبدء بالإصلاحات، إعطاء ‏المودعين دولارات نقدية من حساباتهم القديمة (حتى ولو 1% من قيمة الوديعة بالدولار شهريًا)، إلا أن ‏هذه الصورة لن تتضحّ معالمها إلا بعد تشكيل الحكومة وطرح خطّتها للخروج من الأزمة. في الواقع، ‏إعطاء المودعين دولارات، ولو بنسبة قليلة، كفيل بإعادة الثقة إلى قطاع انهارت الثقة به مع بدء ‏الإحتجاجات الشعبية في السابع عشر من تشرين الأول من العام 2019.‏
‏
التجّار والتهريب والتهرّب الضريبي
لا يخفى على أحد، ولان نقول شيئاً جديداً بقولنا ان هناك تُجّاراً متواطئين مع عصابات تهريب عبر ‏إعطائهم السلع والبضائع المدعومة بهدف تهريبها إلى الخارج. المخازن المحشوة ببضائع مدعومة في ‏بعض السوبرماركات والرفوف الفارغة هي أكبر دليل على النيات السيئة التي يخفيها هؤلاء. وبالتالي فإن ‏استخدام المنصّة الجديدة، التي ستُسجّل العمليات بشكل علني، ستسمح للأجهزة الرقابية من وزارة ‏الاقتصاد والتجارة ووزارة المال والجمارك بملاحقة التجار المُخالفين، والأهمّ ملاحقة التهرّب الضريبي ‏الذي يقوم به هؤلاء عبر رفضهم القبول بوسائل الدفع بالشيكات أو البطاقات المصرفية واعتماد النقد ‏حصريًا. هذا الأمر يسمح لهم بتحقيق أرباح على ثلاثة أصعدة: فارق الدولار، التهريب، والتهرّب ‏الضريبي. من هذا المُنطلق سيكون لوزارة المال الوسائل اللازمة لملاحقة هؤلاء وإرغامهم على دفع ‏مُستحقات الدولة. والتقديرات لحجم الأرباح التي حقّقها هؤلاء في المرحلة الماضية، تُشير إلى نسبٍ هائلة ‏تتراوح بين الـ 200% والـ 500%! وقد يقول بعض التجّار ان مصرف لبنان يُلزمهم تأمين المبلغ نقدًا ‏بالليرة اللبنانية للحصول على الدولارات وهذا حقّ، إلا أن ما لا يقوله التجّار ان هناك أكثر من 40 ‏تريليون ليرة في السوق، وهذه الأموال ليست كلها مع المواطنين!!‏
لذا، إذا فشلت عملية ضبط التهريب، فإن هذه المنصّة ستكون أداة لتمويل التجّار لتصدير البضائع والسلع ‏إلى الخارج، وهو ما سيؤدّي إلى تداعيات كارثية على الصعيدين النقدي والسياسي.‏
‏
سعر الدولار في المرحلة المُقبلة
هل يُمكن التنبؤ بسعر صرف الدولار في المرحلة المُقبلة؟ الجواب كلا. لكن وبتحليل للواقع يُمكن القول ‏إن نجاح عمل المنصّة التي سيطلقها مصرف لبنان، سيجعل الدولار ينخفض حكمًا على المدى القصير. ‏وإذا ما تشكّلت حكومة قادرة على القيام بإصلاحات إقتصادية ومالية، فإن الدولار سيعود أدراجه إلى ‏مستويات مقبولة للمواطن اللبناني.‏

أمّا فشل المنصة، فيعني أننا فقدنا السيطرة على سعر صرف الدولار الأميركي مُقابل الليرة اللبنانية! من ‏هنا ضرورة مواكبة الأجهزة الرقابية والأمنية والقضاء لإطلاق هذه المنصة، على أن تكون هناك خلية ‏أمنية – مالية للتنسيق بين مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف من جهة وبين الأجهزة الأمنية ‏والقضاء من جهة أخرى.‏
وقف التهريب أصبح أمرًا كيانيًا ووجوديًا للشعب اللبناني، كذلك الأمر بالنسبة لمصارحة المودعين من قبل ‏المصارف وعدم تجاهل مطالبهم المُتكرّرة! فالودائع خصوصًا بالدولار الأميركي هي حقّ للمودعين، ‏ويتوجّب على المصارف وضع خارطة طريق لإعادة الأموال لأصحابها، على أن تعرض هذه الخارطة ‏على الرأي العام وتلتزم بها.‏

الانتقادات الموجّهة للمنصّة
في جوّلة سريعة على الآراء المُتداولة، نرى أن المصارف ليست مُتحمّسة للمنصة، نظرًا إلى الدور ‏المنوط بها، والذي سيتمّ وضع معالمه في تعميم يُصدره مصرف لبنان. لكن أيضًا يدخل ضمن الفئات غير ‏المُتحمّسة، الصرافون والتُجّار والمُهربون الذين ستخفّ أرباحهم، نظرًا لعملية تنظيم ومراقبة السوق.‏
أيضًا المُعارضون لسياسات المصرف المركزي، يقولون إن إطلاق المنصّة ليس بحلّ، بل يجب أن يكون ‏هناك حلّ جذري للأزمة من خلال حلّ مُشكلة الدولارات العالقة في المصارف والتابعة للمودعين، ‏ويعزون هذا الطرح إلى اقتراح فرنسي تمّ طرحه على حاكم المركزي خلال زيارته الأخيرة.‏
بغض النظر عن الطريقة التي سيتمّ حل الأزمة بها، ما يهمّ المواطن هو استعادة ودائعه ولكن أيضًا عودة ‏الدولار إلى مستويات مقبولة (بالتأكيد ليس 10000 ليرة!) تسمح له بالعيش بكرامة، خصوصًا أن بقاء ‏الوضع على ما هو عليه، حتى لو استعاد المودع ودائعه، سيؤدّي إلى خسارة هذه الودائع عبر دفعها ثمن ‏السلع والبضائع!‏

هذا الخبر منصة مصرف لبنان: ما هو سعر الدولار في الأسابيع والشهور المُقبلة؟ ظهر أولاً في Cedar News.

Read More