لأنك مارون… كنا وسنبقى – الأب هاني طوق

عندما اجتاحت المسيحية افواج من المتزلفين والحالمين بالسلطة والمجد والمواقع والرئاسات، وعندما اصبح الدخول الى احضان الكنيسة احد اهم عناصر الوصول الى الوظائف العامة في القرن الرابع والخامس الميلادي، وبعد تجربة دامت اكثر من 300 سنة في الدياميس ومدرجات القتال تحت انياب الاسود وصيحات المتفرجين، تحت أقدام البطش وحوافر الخيل ورنين السيوف، وبصبر قل نظيره عبر التاريخ، آمنوا وثابروا وكافحوا وقاوموا وناضلوا وثبتوا في الايمان حتى الرمق الأخير، قدموا آلاف الشهداء أعلنوا العصيان والتمرد، دون ان يستعملوا السيف والرمح، دون اي سلاح الا سلاح الحب المطحون حتى الامحاء، مع السيد الصالح الصارخ من اعلى الصليب، اغفر لهم يا ابتاه لانهم لا يدرون ما يفعلون.

خرجت المسيحية من الدياميس، من طهارة الايمان ونقائه، وامتزجت مع السياسة، فاصبح الامبرطور هو رأس الكنيسة المنظورة، واصبحت الحروب تدمغ برمز الصليب، يتقدمها حاملو الرايات الدينية، وينظّر لها بعض اللاهوتيين اللاهثين نحو مجد الكنيسة الارضية، القائمة على السلطة والمال والنفوذ والقوة، وذلك كله باسم ذاك الذي سلطانه ليس من هذا العالم، والذي سيق الى الذبح لم يفتح فاه، والذي تمرس بالالم حتى الامحاء.

في خضم تغيراتٍ خضت الكنيسة من رأسها الى اخمص قدميها، انبرى رجال الله من جديد هؤلاء الذين يأتون من الضيق، مبيضين حللهم بدم الحمل، واخذوا المبادرة من جديد، تمردوا ثاروا قاوموا وانطلقوا يفتشون عن دياميس جديدة، يعيدون فيها زمن الأبطال في الايمان، زمن الجهاد حتى الموت، زمن نكران الذات، زمن مجابهة الموت بوجوه نيرة، غير عابئين بلحظات لا تكون الا جسر عبور الى محبوبهم الأغلى، حيث يتعانقون في عناق أبوي وبنوي، وحيث يصبح السيد هو الكل في الكل.

في هذا الجو انطلق انطونيوس في نواحي الصعيد، ومارون في نواحي قورش. خرج مارون من ضوضاء الأمبراطورية ومن ضجيج التذلف والتسلط، زاهداً حتى بذاته، خاسراً كل شيء ليربح كل شيء بالمسيح. صعد معه الى جلجلته، فأقام على جبل قورش بين السماء والأرض، معلقاً كمعلمه تلفحه حرارة تموز ورياح كانون، في العراء كان مسبحاً زاهداً ناسكاً يحمل الكنيسة على كتفيه، حالماً بالانتصار الكلي على شهوات الجسد والنفس على ملذات السلطة والمال.

من رحم مارون ولد العاموديون تفننوا بدياميسهم واحترفوا اماتة الجسد وروح العالم حتى الثمالة، فاصبحوا منارة مارون وطبعوا بوصية سمعان انشروا الصليب اينما حللتم “به ندوس اعداءنا ونتغلب على مبغضينا”. كان مارون فكانت الروحانية السريانية الانطاكية، وكان بيت مارون منبع وطريقة للزهد والشعر والنبوة، في عالم يسبح في بحور الادب السرياني والنضارة الراهوية والنصيبية، فاختاروا الطبيعتين متمردين على ابناء جيلهم وجلدتهم آخذين نضارة انطاكية ومنطق بيزنطية وشريعة روما.

من هناك وبعدما قتل منهم الكثير قرروا بروح النبوة أن ينشئوا وطناً روحياً يشبه ارواحهم وتوقهم نحو العلا. اختاروا اسقف البترون يوحنا مارون فكان اول من امتطى صهوة العصيان والثورة وامتشق سيف الطبيعتين، ناهلاً من جبال لبنان صلابة الموقف وبياض الالتزام. وكرت السبحة الى ارميا العمشيتي هذا الذي اثبت للروميين في عاصمتهم، ان الروح اقوى من الحرف، وان القداسة لا تحدها دساتير او اعتراف متبادل، رفع القربان بين يديه كما رفع موسى الحية في الصحراء، وكما علق يسوع على صليب العار، صمد القربان في الفوق، اما هو فخرّ ساجداً امام مذبح الرب، مستذكراً آلام سيده وكل الذين تبعوه، وكيف كانوا يهربون من قفر الى قفر، ليس لديهم حجرا يسندون عليه رأسهم. من العمشيتي الى الاهدني البار هذا الذي جمع رعيته كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، كالراعي الصالح الذي يعرف خرافه وخرافه تعرفه، اسطفانوس الدويهي سيرة رجل ووجه امة لا تموت. من ايليج حصن الايمان والشهادة وذرف الدم والدموع وذاك الحجولاوي الرهيب الذي مال راسه في الفيحاء نحو جبل الارز مودعا جماعته شفاعة مريم البهية كالارز، تلك العروس المكللة بالشمس. من ايليج الى يانوح الى قنوبين الى ديمان الحويك الذي استذكر يوحنا مارون فمع سلفه كانت بداية كنيسة، ومعه بدأت حكاية امة وشعب وكان لبنان في طبيعتيه التاريخية والروحية، وهكذا اكمل ابن بشري البار أنطون عريضة راهناً نفسه للفقراء ضارباً بعصا من حديد من اجل استقلال لبنان ثمرة المارونية الحية. واكملت مسيرة مارون الى ابن كسروان هذا الريفوني بقوله المأثور “نحن الذين لجأنا الى المغاور والكهوف في عهد الظلم والظلام طوال مئات السنين هرباً من الجور والضطهاد والعذاب ليسلم لنا الايمان بالله وعبادته على طريقتنا في هذه الجبال وعلى هذه الشواطئ لتبقى لنا الحرية التي اذا عدمنها عدمنا كل شيئ”. ناضل وواجه بنضارة مارون وزهد سمعان وصلابة القورشي فكان اب الاستقلال الثاني واستمرت الحكاية.
وفي حمئة الزمن خرج البقعكفري مخلفا وراءه الاف العجائب لا زال صدها يغمر العالم من قطبه الى قطبه، ورائحة الحرديني تعبق في بلاد الارز، وآلام الحملاوية الطيبة ورائحة صبرها يطبع شعبها انْ توجه على هذه المسكونة، ويدين اللحفدي العاصيتين على فعل الشر المجبولتين بالحب والطاعة للرب حتى الامحاء، فكان شربل ونعمة الله ورفقا واسطفان والاف الاف الامهات والآباء تلفحهم روح القداسة ونفس القدوس.

لا تعب مارون من عرائه، ولا اعتزل سمعان عاموده، ولا وصيته، ولا ارتهب يوحنا مارون في تمرده، ولا سكر العمشيتي في قداسته، ولا تراجع الحجولاوي في اسشهاده، ولا الاهدني في وسعة علمه وثقافته، ولا البتروني ارتهب الموقف أمام الدول العظمى، ولا البشراوي فرط في وزناته، ولا الريفوني انكسر يوم خضع الجميع واستزلموا.

هذه جماعة مارون من العراء ولدت، والى العراء تعود في كل حقبة من الزمن، لتبني من جديد وتقول للعالم كله، كان مارون… فكانت المارونية وستبقى.
الخوري هاني طوق

,