المديرة وقسط المدرسة..! ميشال الزبيدي

تعلّم من أهله ان العلم نورٌ… هو من عائلة عبرت الحرب العالمية الأولى والثانية، وحروب لبنان الصغيرة والكبيرة.. عائلة ذاقت مرارة الجوع وعاشت الألم والموت، خسرت خلال مئة عام الكثير….الّا الانسان..

هو تعلم ان الانسان يتحصّن بالعلم وبالإيمان، هكذا يبقى وهكذا يريد لأولاده ان يواجهوا المستقبل، فإختار لهم افضل مدرسة، على رأسها إدارة من أبناء المسيح وحملة رسالته.

لَملمَ ما بقي من معاشه، وفكّر بالتوجه ذات صباح الى المدرسة، لكنه تردّد فهناك في ذلك القصر دفاترٌ كُتبَ عليها انه من المتعثرين عن دفع الاقساط، واولاده مهددون بالطرد، مرتعبٌ هو من زيارة المديرة التي ترتدي ثوب العذراء وتضع صليب المسيح، ليعطيها ما بقي من عرق الجبين، أمّا رغيف الغد ترسله السماء.

تردّد لأن المبلغ صغير، ولا حول ولا قوة… الطقس ربيعيٌ، الاولاد نيام يحضنون بعضهم بعضاً في الفراش ينتظرون الصيف ليركضوا ويفرحوا ويلعبوا.

قبّلهم فسقطت دمعة حارقة على السرير، دمعة فيها تعبٌ، عجزٌ ، قلقٌ وحبٌ، حَسم تردّده، انه ذاهبٌ بفلسِ أرملة، من أجل قلوب صغيرة، صافية نظيفة ليس فيها سوى حلمٌ صغير.

وصل الصَرح… إنتظر على المدخل الكبير.. فالمدخل الصغير.. ثم الرواق فالممر…. بلغَ المكتب الكبير…

دخل الى عرين اللبوة… تعثّر بالكلام.. لم يعرف من أين يبدء..

وقفت ملكةُ القصر له احتراماً.. إنصدم فهذا لم يعهده فيها، فهي لم تقف يوماً احتراماً له… طلبت منه الجلوس، هي من جعلته يقف كالذليل في الماضي القريب..

لم تدعه يتكلم.. سألت عن الأطفال.. عن العائلة وعن الصعاب… بلسمت جراحه بلطف العبارات، رفضت ان تتكلم عن المال.. فهي كمسيحها تحب الفقراء.. وتقسم رغيف الخبز بين الجائعين..

قالت له حسناً انك أتيت، هي أيام سوداء، سنحمل الصليب معاً، فنخفف ألمك، نحن ندرك معاناة رب عائلة..

أراد ان يشكرها فقالت له أنت الاولى بالشكر على تأسيسك عائلة مسيحية في هذا الشرق الحزين… نحن معك ولك، اولادك هم اولادنا… فمعلّمنا هو من قال: دعوا الأطفال يأتون اليّ…

أضافت: أدخل يا اخي الى عمق القصر.. هناك المعجن والرغيف، إحمل لفلذات أكبادك من خير الله.. وإرسلهم الينا لنعلمهم، فنحن أبناء المسيح الذي أرسلنا الى اصقاع الارض رسلاً: إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم…

عاد صاحبنا الى بيته بقلب يرقص كالأطفال.. لأول مرة يحس انه إنسان بين أُناس..

تغيّر اللون، تغيّر الصوت، انه صوت زوجته تصرخ بنبرة عالية: إدارة المدرسة تتصل وانت ما زلت نائماً.. أفي حلمٍ أنتَ…؟

هو الحلم… فلنحلم.. حتى تتغير الدنيا ومن فيها، فينتصر الخير على الشر، وينتصر المسيح بناسه على الفريسيين بناسهم ومدرائهم ومديراتهم!

ميشال الزبيدي

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
WhatsApp إنضم الى مجموعة واتس آب بترون نيوز